آخر الأخبار

السبت، 2 أبريل، 2016

الشماع فى تحقيق الوطن بالمستندات| "الآثار" تحول تكية "أبو الدهب" إلى متحف نجيب محفوظ.. وموظف: "سيمنع الدخل"



تطأ قدماك أمام جامع الأزهر الشريف، لتجد نفسك واقفا أمام المكتبات الدينية والمزارات السياحية التي افترشت بهو مجمع "محمد بك أبو الدهب"، تقترب من أسواره لمحاولة رؤيته فتجده محاصرا من أصحاب المكتبات التي اتخذت من سوره معرضا لبيع كتبهم، تقف وسط بهو المجموعة الأثرية بين المكتبات وترى البوابة الرئيسية مغلقة، تسأل عن إمكانية الدخول للمجموعة وتجد الرد "باب المجموعة من ورا، عند السوق".

تصل إلى الباب الخلفي للمجموعة الأثرية بعد أن تجتاز محلات اللحوم وسوق الخضار، الأمر الذي يجعل الشك يدب بداخلك حول وجود مدخل للمجموعة وسط هذا الضجيج، وما إن تصل إلى الباب الخلفي حتى يستقبلك رجل الأمن ويصطحبك لزيارة المجموعة الأثرية وترى مشهدا جميلا مدفونا وسط منطقة تعج بالزحام والبائعين، يصف رجل الأمن الذي تحفَّظ على ذكر اسمه، المجموعة الأثرية التي تضم "مسجدا ومدرسة وتكية"، يعرف وظيفتها ومن ضمنها إقامة الدراويش بها، تتعجب من عرض رجل الأمن للمعلومات التاريخية "أنا مش خريج آثار، لكن حبيت الشغلانة ابتديت أقرا في كتب التاريخ والآثار وأعرف كل حاجة ولما بدخل أي مكان أثري ببقى عارف أنا داخل فين".

أصوات بشرية مختلطة تنبعث من غرف الطابق الأرضي والتي اتخذها مفتشو الآثار مكاتب لهم "دول الموظفين بيجهزوا نفسهم علشان هينقلوا للدور الثاني بالتكية"، تسأل الحارس عن سبب نقلهم لأعلى ليجيبك وعلامات الحزن على وجهه "صندوق التنمية الثقافية هياخدوا الدور الأرضي والأول علشان يتحول لمتحف نجيب محفوظ، ومفتشين الآثار هيتنقلوا للدور الثاني".

يبدأ رجل الأمن بالحديث عن مشروع تحويل التكية لمتحف الأديب نجيب محفوظ "في الأول المشروع ده كان هيبقى في قصر الأمير بشتاك الموجود في شارع المعز، ولكن صندوق التنمية الثقافية عنده مشروع في القصر، ومش هينفع المتحف يتعمل هناك وقرروا أن المتحف يتعمل في تكية أبو الدهب، بعد ما جم عاينوا".

ما رصدته "الوطن" يتوافق مع المستندات التي حصلت عليها، منها خطاب رسمي مقدم من وزير الثقافة حلمي النمنم، إلى وزير الآثار آنذاك الدكتور ممدوح الدماطي، يطلب منه الموافقة على تخصيص الدور الأرضي والأول اللذين يضمان تكية محمد بك أبو الدهب، لصندوق التنمية الثقافية لإقامة متحف ومركز الأديب نجيب محفوظ، وتخصيص الدور الثاني للمكاتب الإدارية الخاصة بتفتيش الآثار.

ينتقل حارس الأمن من الطابق الأرضي للتكية إلى الطابق الأول، ويتابع حديثه بأنهم أرسلوا العديد من الخطابات والشكاوى إلى رئيس الوزراء ووزير الآثار السابق لإيقاف هذا المشروع دون استجابة، تسأله عن أسباب الشكاوى يأخذك إلى الإجابة، حيث يقف أمام أحد الجدران ويبدأ في خدشها برفق، فتتساقط أشياء من ذلك الجدران الذي بدا وكأن الرطوبة أفقدته تماسكه "الرطوبة واكلة من الحيطة حوالي 3 أمتار، وكل شوية بتزيد ومحدش قادر يوصلها"، ما زال رجل الأمن مستمرا في عرض إجابته باصطحابك لمشاهدة الشقوق التي ملأت الجدران وتستطيع رؤيتها من بعد، لم يسلم الخشب من الرطوبة، حيث كان صاحب الحظ الأوفر من التشققات وتآكله، ويفعل رجل الأمن بالخشب ما فعله بالجدران، بمجرد حكة تتساقط منه بعض الأشياء فضلا عن ظهور العروق الداخلية للخشب "الخشب المتلون باللون الأخضر ده مش اللون الأصلي، ده اتعمل ساعة الترميم علشان الرطوبة متبانش وعلشان كده اتلون بلون غامق، لكن اللون الأصلي هو اللون الأصفر".

حرمان وزارة الآثار من الدخل الذي تدره مجموعة محمد بك أبو الدهب كمزار سياحي، هو أحد أضرار تحويل التكية إلى متحف نجيب محفوظ "المشكلة مش بس رطوبة وشروخ باينة، لكن الآثار هتتحرم من الدخل المادي، أنا حوالي كل 3 أيام كنت ببعت 1000 جنيه للآثار ثمن التذاكر للزيارة، دلوقتي اللي هييجي يدخل هيقولي أنا جاي للمتحف مش للتكية".

وهذا ما أشارت إليه المستندات التي حصلت عليها "الوطن" برفض رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية آنذاك الدكتور محمد عبد اللطيف، في رده على الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور مصطفى الأمين، وذكر في خطابه أنه تم تشكيل لجنة للفحص واجتمعت يوم الأحد 8 نوفمبر 2015 بتكية أبو الدهب، ورأت أن الطلب يتعارض مع قرار اللجنة الدائمة بجلستها 28 ديسمبر 2011 والتي وافقت على تخصيص الدور الأول والثاني لمتحف نجيب محفوظ، وأفاد الأعضاء الهندسيون باللجنة أن تخصيص الطابق الأرضي للمتحف قد يضر بالمتحف لإمكانية حدوث هبوط أرضي، ومن الضروري استكمال أعمال الحفائر بالطابق الأرضي، بالإضافة إلى وجود رسوم دخول للتكية ومع تخصيص الطابق الأرضي لصندوق التنمية الثقافية يحرم المجلس الأعلى للآثار من هذه الموارد في ظل نقص التمويل حاليا.

وقع الاختيار على الدور الثاني ليكون بديلا لمكاتب مفتشي الآثار المتآكلة جدرانها من آثر الرطوبة، ويذهبوا إلى مكاتب ذات جدران وسقف متآكلين، فضلا عن قلة المكاتب بالطابق الثاني "المساحة فوق متكفيش لـ15 فرد، وعدد المفتشين فوق الـ150، ده غير إن فيه أوضة سقفها متاكل من الرطوبة والخشب باين وفي أي لحظة ممكن السقف يقع"، بحسب رجل الأمن.

جدران متآكلة ورطوبة متزايدة هو الوضع الذي وافق عليه المسؤولون لتحويل تكية أبو الدهب إلى مركز ومتحف للأديب نجيب محفوظ، الأمر الذي يجعلك تتعجب من دقة المعاينة للمكان "هم جم عملوا المعاينة بليل أعضاء من وزارة الآثار والثقافة، وقرروا أن التكية تبقى للمتحف، أنا كنت موجود ساعتها بس مكنتش قادر أتكلم لأني فرد أمن".

وبالفعل كشفت المستندات إرسال مدير عام الإدارة الهندسية المهندس إيهاب يحيى إلى مدير عام منطقة الأزهر والغوري بالمجلس الأعلى للآثار مجدي سليمان، يفيد بذهاب لجنة صندوق التنمية الثقافية إلى تكية أبو الدهب يوم الاثنين الموافق 14 ديسمبر 2015 لاستلام الطابق الأرضي والأول للبدء في تنفيذ الأعمال.

وأوضحت المستندات أن مدير عام الإدارة العامة لتفاتيش وحفائر آثار القاهرة والجيزة السعيد حلمي عزت، قدم إلى الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور مصطفى أمين، خطابا يفيد بالموافقة على تخصيص الطابق الأرضي والأول لمتحف نجيب محفوظ.

مظاهر الإهمال تتغلب على الجمال المدفون لمجموعة محمد بك أبو الدهب، سواء من داخلها أو خارجها المتمثل في سوق الخضار المواجهة لها ومحال اللحوم والمكتبات المتراصة على أسواره "في كلامه سمعته من ناس موجودة بصندوق التنمية الثقافية أنهم عاوزين يشيلو السوق ويقفلوا المكتبات".

انتهى حارس الأمن من عرض أضرار تحويل التكية إلى متحف الأديب نجيب محفوظ، وملامح الحزن والأسى ترتسم على وجهه "أنا صعبان عليا، يكون بقالي 15 سنة في المكان وفي ساعات وأيام المكان يروح مني".

البائعون يرفضون إزالة السوق أمام "أبو الدهب": "إنت عشان تعمر حاجة تموت حاجة تانية"
خطوتان من أمام تكية محمد بك أبو الدهب، وتجد نفسك داخل سوق الخضار لتستمع إلى أقوال متضاربة من أمر إزالة السوق.

"إنت علشان تعمَّر حاجة، تموِّت حاجة تانية" هكذا علق ناصر أبو الدهب، أحد الباعة المتمركزين في السوق المجاورة للتكية، معلقا على حديث إزالة السوق، مضيفا أنه استمع إلى هذا الكلام كثيرا دون تنفيذ "الناس هتموت لو السوق اتشال"، مشيرا إلى أن السوق ملكية خاصة لأحد الأشخاص السوريين الذي وهبه قديما لسكان المنطقة لإنشاء السوق "لكن إحنا دلوقتي بندفع أجر رمزى للحي، بعد ما حطوا إيدهم عليه".

والتقط أحد البائعين أطراف الحديث ويدعى "الحج محمد"، وقال إن السوق ملكية خاصة ولكنه يدفع إيجارا للحي، "إحنا بقالنا 30 سنة بنسمع كلام إنهم هيشيلوا السوق، علشان يتطور ومفيش أي حاجة بتحصل، وبعدين إحنا هنروح فين أنا بنام في السوق".

لم تختلف الأقوال المتضاربة للبائعين عن أقوال أصحاب المكتبات، حيث قال إسلام سيد، أحد العاملين في مكتبة الصفا، إن المكتبة تم تأجيرها من وزارة الأوقاف، وأضاف أنهم على علم بتحويل التكية إلى متحف نجيب محفوظ، مشيرا إلى أن مجيء الزوار للمتحف سيؤثر إيجابيا على حركة البيع بالمكتبة، وعن أمر غلق المكتبات قال "إحنا بنسمع كلام كتير، مرة يقولوا التكية هتترمم ومرة يقولوا هتبقى متحف، ومرة إننا هنتشال لكن كله كلام وإحنا مأجرين من وزارة الأوقاف".

بينما ذكر "أحمد"، صاحب مكتبة لؤلؤة الأزهر، أنه لم يعلم بأمر تحويل تكية "أبو الدهب" إلى متحف الأديب نجيب محفوظ، وأضاف أنه أجَّر المكتبة من وزارة الأوقاف، وأثناء ترميم المجموعة تم تسليمها إلى وزارة الآثار "إحنا مش بنتعامل مع الآثار في حاجة، غير ساعة الترميم ومسمعناش أي حاجة".

خبراء: "الحفاظ على أساسيات الأثر" من المحاذير التي يجب مراعاتها عند توظيفه
استطلعت "الوطن" آراء بعض خبراء الآثار، للحديث عن توظيف تكية محمد بك أبو الدهب، وقال الدكتور محمد الكحلاوي، الأمين العام لاتحاد الأثريين العرب، لـ"الوطن"، إنه ضد توظيف الأثر في غير محله مثل تحويل مكان أثري إلى ملهى ليلي، ولكنه يريد توظيف الأثر في ما يناسبه، مثل توظيف تكية محمد بك أبو الدهب إلى متحف نجيب محفوظ.  

وأضاف الكحلاوي أن توظيف الأثر له بعض المحاذير التي يجب مراعاتها لحماية الأثر الأصلي وهي تغيير المعالم الأصلية للأثر، وحجب أي عنصر من عناصر الزخرفة، وعدم وضع لافتات تحجب رؤية الأثر، بالإضافة إلى التأثير السلبي على أساسيات وإنشاءات المبنى الأصلى للأثر.

وأكد بسام الشماع، الخبير الأثري، لـ"الوطن"، رفضه لتحويل تكية محمد بك أبو الدهب إلى متحف نجيب محفوظ، وأرجع رفضه لعدة أسباب منها التأثير السلبي للاستخدامات اليومية التي تضر التكية، بالإضافة إلى إدخال المزيد من الكابلات الكهربائية وخوفه من حدوث ماس كهربائي.

وأشار الشماع إلى أن هذا التوظيف في غير محله، متسائلا عن العلاقة التاريخية التي تربط بين محمد بك أبو الدهب والأديب نجيب محفوظ، ومضيفا أن توظيف الأثر يكون متناسقا مع الوظيفة الأصلية أو تربطه صلة تاريخية.

واستدل الخبير الأثري على إنشاء متحف للمخرج الراحل شادي عبد السلام بمكتبة الإسكندرية، أو متحف المجوهرات الخاص بالعائلة المالكة بأحد قصور العائلة المالكة في حي زيزينيا بالإسكندرية.

"الآثار": الدور الأرضي لن يضر المتحف.. و"الثقافة" سترمم "التكية" قبل التنفيذ
ومن جانبه، قال السعيد حلمي، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية، إن مشروع تحويل الطابق الأرضي والأول بتكية محمد بك أبو الدهب إلى متحف الأديب نجيب محفوظ ما زال قائما مع قدوم وزير الآثار الجديد الدكتور خالد العناني، وسيتم عرض المشروع عليه.

وأضاف حلمي، في تصريحاته لـ"الوطن"، أن تحويل الدور الأرضي لمتحف نجيب محفوظ لن يضر بالأثر، وفسر ذلك على أنه من غير المنطق أن يبدأ الزائر زيارته للمتحف من الدور الأول، حيث توضع مقتنيات المتحف بالدور الأرضي والأول، ويتم نقل مكاتب تفتيش الآثار إلى الدور الثاني.

وتابع حديثه أن جهاز الإدارة الهندسية بصندوق التنمية الثقافية بالتعاون مع قطاع المشروعات بوزارة الآثار، سيعملون على تحسين وضع تكية أبو الدهب من وجود التشققات بالجدران وزيادة الرطوبة، ولن يستلم صندوق التنمية الثقافية التكية إلا باستكمال أعمال الترميم.

ولفت رئيس القطاع إلى أنه لم يرَ من قبل أي قرارات للجنة الدائمة برفضها لتحويل الطابقين الأرضي والأول بالتكية لمتحف نجيب محفوظ، لتوليه منصب قطاع الآثار الإسلامية والقبطية منذ فترة قريبة.

الدخول للمقال اضغط هنا




















































ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق